حراك الحسيمة… في الحاجة إلى أحزابنا السياسية

jaridatiآخر تحديث : الجمعة 19 مايو 2017 - 3:57 مساءً
حراك الحسيمة… في الحاجة إلى أحزابنا السياسية

شهد المغرب منذ استقلاله عدة أحداث اجتماعية، من بينها احتجاجات الدار البيضاء سنتي 1965 و1981، وأحداث فاس سنة 1990 وغيرها من “الانتفاضات” ضد الوضع السوسيواقتصادي المتردي للمواطنين المغاربة.. ما كان يميز هذه الاحتجاجات هو وجود أحزاب سياسية ونقابات عمالية قادتها وعملت على تأطيرها وكان حضورها بارز في الشارع المغربي، ولعبت بناء على هذا دور “البارشوك” للتقليل من حجم الانزلاقات…

منذ العام الذي استقلت فيه المملكة المغربية عن الاستعمار الفرنسي ظل وجود الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية قويا داخل الشارع وبين المواطنين بنقاباتها وتنظيماتها الجمعوية والحقوقية، رغم كل ما طبع تلك المرحلة من صراع بين الدولة وهذه التنظيمات السياسية. وهذا كان يشكل صمام أمان للسلم الاجتماعي في المغرب بتوافق الوطني حول قدسية قضايا الوحدة الترابية والملكية، وبالتالي ففي لحظات الاحتقان السياسي كانت الدولة تجد لها مخاطبا باستطاعته تأطير احتجاجات المواطنين، وله قدرة على التحكم في عملية المد والجزر في العلاقة مع أجهزة الدولة، واللعب على حبلي المصالح الوطنية العليا من جهة ومن جهة ثانية الدفاع عن مصالح المواطنين في حال مسها سوء من طرف الحكومة..

بفعل التحولات السياسية والتقنية والاجتماعية وحتى الحزبية، التي يطول شرحها لم يعد هذا الوضع قائما. فقد تراجع دور التنظيمات السياسية في الشارع، نعم ظل وجودها في البرلمان والمؤسسات المنتخبة قائما، لكن تأثيرها على حراك الشارع ظل محدودا، وهذا ناتج أساسا عن مشهد حزبي معقد عانى عدة أزمات موضوعية وذاتية، ففي فترة معينة كان “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” يلعب دورا مركزيا في المعارضة ويعمل على تأطير المواطنين لكن الانشقاقات المتعددة التي عاشها منذ 2002 جعلت منه حزبا معتمدا اليوم على مجموعة من الأعيان الذين يشكلون خزانا انتخابيا لـه في كل استحقاقات تشريعية (يكفي إلقاء نظرة على لائحة نواب حزب الوردة في مجلس النواب لكي نتأكد من هذا الوضع).. نفس الأمر ينطبق على حزبـي “الاستقلال” و”التقدم والاشتراكية”..

إن وجود هذه الأحزاب تحت رحمة محترفي الانتخابات والأعيان الذين يفوزون بأصوات محدودة في الغالب مستفيدين من المقاطعة، جعلها تتراجع عن الأدوار التي كانت بها في وقت سابق وأصبح تأثيرها محدودها.. بروز جيل جديد من الاحتجاجات حملتها رياح الربيع العربي واستفادت من الثورة التكنولوجية في عمليات التعبئة، زاد من تراجع تأثير الأحزاب في الشارع خصوصا أنها لم تتمكن من مسايرة كل هذه التطورات الهائلة على البنية السوسيوسياسية المغربية، لذلك لا غرابة ألا نجد أي دورا للأحزاب السياسية في الحراك الذي تشهده منطقة الريف منذ أزيد من 6 أشهر..

إن ما يثير الانتباه في حراك الريف هو غياب هيآت وسيطة يمكنها لعب دور “الوساطة” بين المحتجين والدولة سواء عبر آلية الحوار مع الأحزاب السياسية أو عبر المؤسسات المنتخبة.. إن هذا الغياب يستدعي طرح عدة أسئلة: أي دور لمجلس الجهة المنتخب في منطقة الريف؟ وأي دور للفاعلين السياسيين المنتخبين في البرلمان المغربي من المنطقة؟ وماذا تفعل كل هذه المجالس المنتخبة إن لم تعمل على الحوار مع المواطنين وتلبية مطالبهم؟ إن هذا الغياب مقلق ويطرح التساؤلات حول الجدوى من العملية الديمقراطية التي دخلتها بلادنا منذ دستور 2011، التي يتم إفراغها من مضمونها بفعل ممارسات عدد من محترفي الفعل السياسي الذين سطوا على الخريطة الانتخابية في المنطقة مستغلين الثغرات الموجودة في القانون المنظم للانتخابات البلدية والجهوية..

يمكن الاستجابة اليوم لمطالب حراك الحسيمة من أجل إخماد الاحتجاجات، لكن هل تم حل المشكل على المستوى الاستراتيجي؟ طبعا لا، لأن تنظيم الفضاء العمومي وسير المؤسسات وعدم مركزة القرار يقتضي نخب سياسية جديدة وأحزاب قوية باستطاعتها تنزيل الرؤية الملكية الإستراتيجية المعلن عنها في الخطابات الملكية وخدمة مصالح الناس عوض خدمة مصالحها الخاصة الضيقة..

 
رابط مختصر
2017-05-19 2017-05-19
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

jaridati